العدسة المدمرة
كلام عجيب كان صعب علي فهمه..
“The Map is not the territory”
جملة قالها احد المدربين ولاقتني مش فاهماها..
بعد التدريب، في الإستراحة، روحت طلبت منه انه يشرحها لي..
وكتر خيره شرح لي لحد ما استوعبت..
انه المقصود هو ان فيه فرق بين الواقع والحقيقة.
الواقع، بيشوفه الإنسان من وجهة نظره،
من العدسة اللي بيبص منها للحياة،
من خبراته السابقة، من طريقة تربيته،
من المكان اللي واقف منه..من منظوره هو.
انما الحقيقة هي الصورة الكاملة بتفاصيلها.. هي الحق..
زي ربنا ما هو الحق. فالحقيقة حق، مش واقع يختلف الناس عليه.
مرة وانا طفلة اتصرفت تصرف مش تمام،
امي شافته من وجهة نظرها انه خطأ فادح،
ومن وجهة نظرها تصرفي كان قمة في التهور.
وبالتالي من يوم التصرف ده بقت مقتنعة اني متهورة.
وبسبب الموقف ده، طريقتها معايا بقت من منطلق اني انسانة متهورة.
التصرف كان وانا عندي ٨ سنين.. يعني كنت طفلة…
والطفل، زي ما اتعلمت وأنا بدرس ارشاد ودعم نفسي،
بيكون العقل المنطقي عنده مش مكتمل،
بالتالي لما بيتصرف مش بيكون مدرك تبعات تصرفاته،
وبيكون مهم ان الأهل يفهموه لما يتصرف بشكل غير مناسب تبعات التصرف.
الموقف ده اثر على نظرة امي ليا، وتعاملها معايا،
والحرية، او بمعنى اصح القيود اللي حطتها علي بعدها.
من باب حبها ليا وحرصها علي، بقيت فاهمة ومستوعبة ده…
دلوقتي، وبعد علاج نفسي مع اكتر من معالجة نفسية، وعلى مر سنين طويلة.
في جلسة من جلسات العلاج النفسي، تطرقت مع معالجتي للموقف ده،
وهي لما سمعت تصرفي، قالت لي
ده معناه انك كنتي طفلة شجاعة ومبدعة.
نفس الموقف، انما المنظور مختلف،
امي شافته تهور، والمعالجة شافته شجاعة وابداع..
لما قالت لي اني كنت شجاعة، افتكرت مقولة المدرب،
“The Map is not the territory”
وافتكرت انا كطفلة شفت الموقف ايه..
ولا كان شجاعة ولا كان تهور..
كان تصرف من باب قلة الحيلة.. كنت مش عارفة اعمل ايه،
ولا اتصرف ازاي..
كنت بس بحاول اهرب من العقاب،
وبالتالي زودت الطين بلة زي ما بيقولوا.
تصرف مدمر، لما نشوف تصرفات اللي حوالينا بعدساتنا احنا،
ونفسرها، ونحكم عليهم من وجهة نظرنا.
بدل ما نسألهم بمنتهى البساطة والصراحة:
"التصرف ده كان قصدك منه ايه؟ لأن عقلي بيقول لي…. فهل ده صحيح؟"
بس كده..
يعني امي كانت تسألني التصرف الغلط جدًا ده كان ايه؟
اقول لها كنت خايفة جدًا من العقاب، فنلاقي طريقة نحل بيها الموضوع..
بدل ما يحصل لي Framing لسنين طويلة اني "متهورة"...
تصرف مدمر لما تبقى اقرب علاقتنا عايشنها من وجهة نظرنا احنا،
كل طرف عايش قصة واقعية، مش حقيقية.
وطول ما القصة بتاعت كل طرف، من واقع الطرف، مش من الحقيقة فعلًا
فتصرفاتنا هتبقى مش صح، وعلاقاتنا هتبقى مشوهة.
اكتر حاجة محزنة، لما يكون الزوج عايش واقع مختلف عن واقع الزوجة،
ولما يكون الأطفال عايشين واقع غير واقع اهاليهم،
ويروحوا المدرسة يلاقوا المدرسين عايشين واقع غير واقعهم..
ويكبر الإنسان ويلاقي نفسه وحيد داخليًا.. مش لاقي حد فعلًا فاهمة..
لدرجة انه يشك في نفسه..
ويبدأ يشوف نفسه مش من الحقيقة، ولا حتى من واقعه هو..
لا، يشوف نفسه من واقع غيره..
ويحتاج سنين طويلة من العلاج النفسي عشان يطيب..
يمكن الكلام ده كبير، او عميق..
انما بتمنى نبدأ نراجع تصرفاتنا..
ونشوف الناس بعدسة شفافة..
عدسة محايدة..
عدسة انسانية…
بالذات اهل بيتنا..
انتظروني كل خميس مع مقالة جديدة من
#تصرفات_مدمرة_١٩
بعاداتي باصمم حياتي
سلسلة بعاداتي باصمم حياتي - ١٧ حلقة هدية للتعرف على كيفية تبني العادات والإلتزام بها